محمد متولي الشعراوي

3937

تفسير الشعراوى

مؤمن من نفسه ؛ فإن حصل عندي قصور من سهو أو من غفلة أو من هوى يعدله غيرى . وهذه قضية كونية لو استقرأت الوجود كله وجدتها لا تتخلف أبدا ، ولا بد من تذكر الغاية التي جاء بها في قوله الحق : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 127 ] لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 127 ) أي أن لهؤلاء المتقدمين الذين صبروا وصابروا ورابطوا ، لهم دار السلام ، وهو أسلوب مكون - كما يقال - من مبتدأ وخبر ، الا أن المبتدأ اخرّ هنا ، والخبر تقدّم ، وكان المنطق أن يقال : « دار السلام لهؤلاء » ولكن الأسلوب القرآني جاء ليقدم الخبر المكون من الجار والمجرور ومتعلقه ، ويؤخر المبتدأ وذلك لخصوصية أرادها الحق ، وهي أن هذه الدار لهم وحدهم دون غيرهم فهي خالصة لهم يوم القيامة و « دار السلام » مكنونة من كلمتين ، « دار » ومعناها ما يستقر فيه الإنسان ، ويجمع هذا المكان كل ما تتطلبه حياة الإنسان ، وهي أوسع قليلا من كلمة « بيت » ؛ لأن البيت مكان يعد للبيتوتة ، لكن كلمة « دار » تعد للحياة ولما يتعلق بالحياة من مقوماتها . و « دار » هنا مضافة إلى السلام ، وهو - كما نعلم - اسم من أسماء اللّه ، إذن فالحق هنا يوضح : لهم دار منسوبة للسلام وهو اللّه ، وهم مستحقون لها جزاء منه ، فإذا كانت الدار التي وعدها اللّه هي دار السلام وهو اللّه ، فلا بد أن فيها متعا وإمكانات على قدر فضل المضاف إليه وهو اللّه ، ولماذا لم يقل اللّه : « دار اللّه » ؟ ؛ لأن اللّه أراد أن يأتي بوصف آخر من أوصافه ؛ ليعطيهم السلام والأمن والاطمئنان . وهناك فرق بين دور الدنيا ، وهذه الدار ؛ فدور الدنيا فيها متع ، ولكنك فيها بين أمرين : إما أن تفوت أنت ما هي فيه ، وإما أن يفوتك ما فيها ، ولذلك لا يوجد في الدنيا أمن ؛ لأن غيرك قد يناوئك فيها ويعاديك ، وقد تأتى لك مكدرات المرض ، وقد تأتى لك معكرات الأعداء ، كل ذلك ينغص عليك الأمن والسلام في الدنيا . ولذلك أراد الحق أن تكون لك الآخرة دار سلام ما دمت قد آمنت ، وأن تأمن فيها